ابن رشد

287

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

وقال جل الصحابة بالرد على ذوي الفروض ما عدا الزوج والزوجة ، وإن كانوا اختلفوا في كيفية ذلك ، وبه قال فقهاء العراق من الكوفيين ، والبصريين . وأجمع هؤلاء الفقهاء على أن الرد يكون لهم بقدر سهامهم ، فمن كان له نصف أخذ النصف مما بقي ، وهكذا في جزء جزء . وعمدتهم أن قرابة الدين والنسب أولى من قرابة الدين فقط : أي أن هؤلاء اجتمع لهم سببان وللمسلمين سبب واحد . وهنا مسائل مشهورة الخلاف بين أهل العلم فيها تعلق بأسباب المواريث يجب أن نذكرها هنا ، فمنها أنه أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم لقوله تعالى : * ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) * ولما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام : لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم واختلفوا في ميراث المسلم الكافر ، وفي ميراث المسلم المرتد ، فذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار إلى أنه لا يرث المسلم الكافر بهذا الأثر الثابت ، وذهب معاذ بن جبل ومعاوية من الصحابة وسعيد بن المسيب ومسروق من التابعين وجماعة إلى أن المسلم يرث الكافر ، وشبهوا ذلك بنسائهم ، فقالوا : كما يجوز لنا أن ننكح نساءهم ولا يجوز لنا أن ننكحهم نساءنا كذلك الإرث ، ورووا في ذلك حديثا مسندا ، قال أبو عمر : وليس بالقوي عند الجمهور ، وشبهوه أيضا بالقصاص في الدماء التي لا تتكافأ . وأما مال المرتد إذا قتل أو مات ، فقال جمهور فقهاء الحجاز هو لجماعة المسلمين ولا يرثه قرابته ، وبه قال مالك ، والشافعي ، وهو قول زيد من الصحابة . وقال أبو حنيفة ، والثوري ، وجمهور الكوفيين ، وكثير من البصريين يرثه ورثته من المسلمين ، وهو قول ابن مسعود من الصحابة ، وعلي ( رضي الله عنهما ) . وعمدة الفريق الأول عموم الحديث ، وعمدة الحنفية تخصيص العموم بالقياس ، وقياسهم في ذلك هو أن قرابته أولى من المسلمين لأنهم يدلون بسببين : بالاسلام والقرابة ، والمسلمون بسبب واحد ، وهو الاسلام ، وربما أكدوا بما يبقى لماله حكم الاسلام بدليل أنه لا يؤخذ في الحال حتى يموت فكانت حياته معتبرة في بقاء ماله على ملكه ، وذلك لا يكون إلا بأن يكون لماله حرمة إسلامية ، ولذلك لم يجز أن يقر على الارتداد ، بخلاف الكافر - وقال الشافعي ، وغيره : يؤخذ بقضاء الصلاة إذا تاب من الردة في أيام الردة ، والطائفة الأخرى تقول : يوقف ماله لان له حرمة إسلامية ، وإنما وقف رجاء أن يعود إلى الاسلام ، وأن استيجاب المسلمين لماله ليس على طريق الإرث . وشذت طائفة فقالت : ماله للمسلمين عندما يرتد ، وأظن أن أشهب ممن يقول بذلك . وأجمعوا على توريث أهل الملة الواحدة بعضهم بعضا . واختلفوا في توريث الملل المختلفة ، فذهب مالك وجماعة إلى أن أهل الملل المختلفة لا يتوارثون كاليهود والنصارى ، وبه قال أحمد وجماعة ، وقال الشافعي